محدودية الهيئة المركزية لمحاربة الرشوة

 

تعد شفافية الفعل العمومي مناط اهتمام الدولة بمؤسستها وكذا الفاعلين السياسيين والإقتصاديين, بآعتبارها الضمانة الحقيقية لتنافسية الاقتصاد الوطني ودلالة على مصداقية الخطاب والفعل الرسميين، لهذا كانت الرشوة عامل إضعاف لهذه المبادئ التي تشكل ركائز وأسس حكامه التدبير العمومي.وقد عمل المغرب على تقوية ترسانته القانونية لتشكل خلفية شرعية للآليات المؤسساتية المتدخلة في هذا المجال.

وقد عرف القانون رقم 113. 12 المتعلق بالهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، الفساد في المادة 4 بأنه (إحدى جرائم الرشوة أو استغلال النفوذ أو الإختلاس أو الغدر المنصوص عليه في القانون الجاري بع العمل وكل جرائم الفساد الأخرى المنصوص عليها في تشريعات أخرى) وهكذا نجد أن المشرع قد حصر الفساد في الجرائم التي تم التنصيص عليه قانونا، وهو مانعتبره قصورا في هذا النص على إعتبار أن جرائم الفساد تتميز بالسرية والتطور والتنوع.

وعليه فإننا سنعتمد في هذا البحث على التعريف التالي هو (إكتساب غير مشروع- أي من دون وجه حق- وما ينتج عنه، لعنصري القوة في المجتمع، السلطة السياسية والثورة في جميع قطاعات المجتمع). أي أنه استغلال للمراكز القانونية في الدولة من أجل التكسب دون وجه حق، بما يعني نقل المال من الحيز العام إلى الحيز الخاص بطرق غير مشروعة.

وتحليلنا التجربة التاريخية إلى حضور الفساد كخطر يهدد بيان الدول واستقرار وسيادتها، ففي التجربة التاريخية الإسلامية نجد أن إبن خلدون قد اعتبر الفساد أحد أهم عوامل انهيار العمران وتقويض الدول، وفي التجربة التاريخية الغربية أحد أبرز منظري العقد الإجتماعي جون جاك روسو يخصص الفصل العاشر كاملا للفساد عنونه ب "في شطط الحكومة وفي ميلانها إلى الفساد باعتباره عاملا مهددا للسيادة وينقض المعاهدة الإجتماعية.

إن خطورة ظاهرة الفساد في العلاقة بالدولة وشرعيتها ومؤسساتها، وتهديده الحقيقي لتقويض أركانها ووظائفها، وفي تأثيره الخطير على تماسك المجتمع وثقته في الدولة وسلطها، جعلت المغرب ينخرط في جهود المحاربة والتقليل من آثاره الوخيمة، هذا الإنخراط يجد تجلياته في إصدار مجموعة قوانين مهمة عكست هذا التوجه من قبيل قانون التصريح الإجباري للممتلكات و بالإضافة إلى إقرار المواد القانونية المجرمة لفعل الارتشاء في القانون الجنائي، وتعديل المادة 6 من التنظيم القضائي للمملكة، وذلك  بإقرار غرف جرائم الأموال بمحاكم الإستئناف بغرض تسريع النظر في هذا النوع من القضايا، وكذا قانون حماية الشهود والمبلغين وغيرها من القوانين ذات الصلة. بالإضافة إلى الترسانة القانونية، عمل المغرب على جعل الشفافية ومحاربة الرشوة في مركز اهتمام أعلى سلطة بالمغرب، إضافة إلى سعي الحكومة إلى وضع استراتيجية جديدة لمحاربة الظاهرة، بيد أن المغرب سيتجه نحو مأسسة محاربة الرشوة بدل الإعتماد على أسلوب "الحمالات" الذي طبع الفعل العمومي في هذا المجال5، وسيتم ذلك من خلال إنشاء الهيئة المركزية لمحاربة الرشوة.

إن تأسيس الهيئة المركزية لمحاربة الرشوة سنة 2007، وفق تصور طغى عليه التردد في إقرار مؤسسة حقيقية لبلورة وتتبع سياسات محاربة الفساد، جعلت العديد من الفاعلين من داخل المؤسسة وخارجها، يطالبون بضرورة إعادة النظر في الدور الاستشاري لهذه الهيئة وتمكينها بالتتبع من إختصاصات حقيقية وإرساء مؤسسة ذات تأثير في المنظومة الرقابية ببلادنا.

 محدودية الهيئة المركزية لمحاربة الرشوة ما قبل دستور2011

وتأسست الهيئة المركزية لمحاربة الرشوة 13 مارس 2007، وذلك في سياق مطالبات خارجية متمثلة في التزامات المغرب تجاه شركاته، سواء تعلق الأمر بالإتحاد الأوربي أو البنك وصندوق النقد الدوليين، أو تعلق الأمر بالفاعلين المحليين من أحزاب سياسية وفاعلين اقتصاديين ومجتمع مدني متخصص في العمل في مجال حماية المال العام، وذلك في أطار الإنخراط الفعلي في الجهود الدولية لمحاربة ظاهرة الفساد، وقد تمت تسمية رئيس الهيئة سنة2008، ليبدأ بعد ذلك مسارا استكمال هيكلة الهيئة.

وقد تم تأسيس الهيئة تطبيقا للمادة 6 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والتي تقضي بضرورة إنشاء الدول المتوقعة على الإتفاقية لهيئة تتولى منع الفساد. مع تمكين هذه الهيئة من الإستقلال المالي والإداري، حتى تؤدي وظائفها "بصورة فعالة وبمنأى عن أي تأثير لا مسوغ له". بيد أن هذا الشرط ينتفي مع المادة الأولى للمرسوم المحدث للهيئة، والتي تشير إلى "تحدث لدى الوزير الأول هيئة مركزية للوقاية من الرشوة" وهو مايفع إلى الإستنتاج بأن طبيعة الهيئة استشارية وليس تقريرية. ويتضح الأمر أكثر مع المادة 16 من المرسوم المتعلق بالهيئة عندما يتم التأكيد على أن اعتمادات التسيير والتجهيز الممنوحة للهيئة المركزية من ميزانية الوزير الأول وهو الأمر الذي يمس بجوهرة مبدأ "الإستقلالية". 

وعلى العموم فإن المرسوم حدد للهيئة هيكلة ثنائية تجمع بين التقرير والتنفيذ، حيث أن الإختصاصات الممنوحة للجمع العام تنفيذ أنه  جهاز تقريري و الإختصاصات الممنوحة للجمع العام تنفيد أنه جهاز تنفيدي.

و بالاستناد إلى المادة 4 من مرسوم 13 مارس 2007 المتعلق بالهيئة المركزية للوقاية من الرشوة، يتكلف الجمع العام باقتراح المبادئ التوجيهية لأي إستراتيجية وطنية للوقاية من الرشوة وآليات مكافحة هذه الظاهرة، كما يصدر توصيات للفاعلين بالقطاع الخاص بهدف انخراطهم في مكافحة الرشوة، ويبدي أراء حول التدابير الممكن اتخاذها للوقاية من الرشوة، كما يحدد برنامج عمل اللجنة التنفيذية، وله دور تقييمي لكل الاختصاصات السالفة الذكر. وفي حقيقة الأمر، فالتدقيق في هذه الاختصاصات، يتضح انه من الصعب إعطاء دور تقريري للجمع العام، وهو مايؤكد الطبيعة الاستشارية للهيئة، باستثناء تحديد برنامج اللجنة التنفيذية وهو الاختصاص ذو طبيعة تقريرية بشكل صريح. وعلى العموم فتشكيلة الجمع العام، توضح بجلاء الحضور القوي لممثلي السلطة التنفيذية وهو ما يزيد من مشروعية طرح سؤال الإستقلالية. تجدر الإشارة إلى أن الجمع العام يلتئم على الأقل مرتين في السنة، وشرط صحة المداولات حضور ثلثي الأعضاء كما يثم اتخاد القرارات بأغلبية الأصوات.

إن من أهم اختصاص يمارسه الجمع العام هو التقرير السنوي الذي يقدمه للوزير الأول، وهو التقرير الذي يوضح حالة الإجراءات المتخذة للحد من الرشوة، لي البعد التشخيصي للمجهودات المبذولة في هذا الإطار، كما يتضمن اقتراحات موجهة للحكومة تتعلق بأنجح السبل للحد من الرشوة.

أما اللجنة التنفيذية فيعهد إليها تنفيد المهام المسندة المركزية لمحاربة الرشوة والمحددة وفق المادة2 من مرسوم 17 مارس2008، لكن المادة 8 تحدد هذه الإختصاصات على وجه التخصيص، أهمها تلقي ومعالجة المعلومات المتعلقة بأفعال الرشوة، وبعد التأكد منها يتم تبليغها إلى السلطات القضائية لتحريك مسطرة المتابعة. أن هذا الإختصاص بقدر أهمية حيث يعطي الهيئة دورا مساعدا أو ممهدا لزجر فعل الرشوة، فإن هذا الدور منوط بهدى تدفق المعلومات وصحتها. وهو الأمر المرتبط أساسا بقدرة المواطن على التبليغ. ومدى إحساسه بتوفر الحماية. إضافة إلى هذا الإختصاص فاللجنة التنفيذية تضع وتحين قاعدة المعطيات المتعلقة بظاهرة الرشوة، والعمل عمل تنسيق أعمال مختلفة الإدارات المعنية بالوقاية من الرشوة، وكذا استراتيجيات للتواصل مع الرأي العام بهدف التحسيس بأهمية الإنخراط في محاربتها.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق