التأطير الدستوري لللامركزية الإدارية بالمغرب
التأطير الدستوري لللامركزية الإدارية بالمغرب
تنقسم اللامركزية الإدارية إلى اللامركزية المرفقية وتنطبق بصفة خاصة على المؤسسة العمومية بمختلف أنواعها، واللامركزية الترابية وتتحقق بمنح جزء من التراب الوطني الشخصية المعنوية، يعني منحه الاستقلال الإداري والمالي في مباشرة الاختصاصات الموكولة اليه بهدف السهر على تحقيق المصالح المحلية تحت إشراف الحكومة ورقابتها.
اولا: اللامركزية الإدارية المرفقية أوالمصلحية:
يقصد بها توزيع العمل طبقا لطبيعة النشاطات ونوع المرافق والمشاريع التي ينصب عليها هذا النشاط، واللامركزية المرفقية هي ما يسمى بالمؤسسات العمومية التي تتولى إدارة نشاط معين يسند إليها بحكم القانون، وتتحقق بمنح مرفق عام سواء أكان وطنيا أو محليا، الشخصية المعنوية، وهو ما يترتب عنه الاستقلال الإداري والمالي في تسير شؤونه، إلا أن هذا الاستقلال غير مطلق وإنما هو مقيد بشرط الرقابة أو الوصاية من طرف السلطات المختصة.
ووفقا للتعريف الكلاسيكي فان المؤسسة العمومية عبارة عن مرفق عام يدار عن طريق هيئة عامة ويتمتع بالشخصية المعنوية العامة، ومن خلال هدا التعريف يتبين إن فكرة المؤسسات العمومية تقوم على ثلاثة عناصر:
العنصر الأول: وجود مرفق عام وهو عبارة عن النشاط الذي تقوم به الدولة (أو الهيئات العامة التابعة لها) بإدارته مباشرة أو عن طريق الغير، شرط إن يظل هدا الغير خاضعا لرقابتها وإشرافها بقصد تحقيق خدمات عامة للمرتفقين بطريقة منتظمة ومطردة مع مراعاة مبدأ المساواة بين المنتفعين.
العنصر الثاني: أن يدار عن طريق هيئة عامة، وذلك بأموالها وعمالها، وأن تستعمل في ذلك وسائل القانون العام. فتترتب عن ذلك نتائج هامة تتجلى في أن القرارات الصادرة عنها تعتبر قرارات إدارية، وأموالها تعتبر أموال عامة...الخ. إلا ما استثني بنص خاص، وبهذه الأمور تمتاز المؤسسة العمومية عن المؤسسات الخاصة ذات النفع العام والتي تتشابه معها إلى حد كبير.
العنصر الثالث: الاعتراف لهذا المرفق بالشخصية المعنوية ليتحقق له قدر كبير من الاستقلال يساعده على تحقيق أهدافه، وذلك من الناحيتين الإدارية والمالية.
و هكذا فإن إحداث المؤسسات العمومية أصبح اختصاص حصري للبرلمان حسب الفصل 71 من دستور 2011، المحدد لاختصاصات البرلمان ومن بينها "إحداث المؤسسات العمومية وكل شخص اعتباري من أشخاص القانون العام".
تندرج المؤسسات العمومية الاستراتيجية في إطار المؤسسات التي تحضي بأهمية خاصة لدى دولة معينة، اعتبارا لبعدها الاستراتيجي داخل نسيجها المؤسساتي .
وأخذا بهذه الأهمية قام المشرع الدستوري المغربي ولأول مرة من جهة بإقرارها دستوريا في نص الفصل 49 من الدستور المغربي الجديد لفاتح يوليوز 2011 حيث أكد أن تعيين المسؤولين عن المؤسسات العمومية الاستراتيجية يتم التداول فيه بالمجلس الوزاري و ذلك باقتراح من رئيس الحكومة و بمبادرة من الوزير المعني هذا من جهة ، ومن جهة أخرى أكد بأن لائحة هذه المؤسسات يتم تحديدها بموجب قانون تنظيمي.
وموازاة بالحديث عن دستورية المؤسسات العمومية الاستراتيجية ينبغي الإشارة الى تعدد هذا النوع من المؤسسات داخل الهيكل المؤسساتي للدولة .
ثانيا: اللامركزية الترابية
قد أكد جلالة الملك في الخطاب الموجه للمشاركين في المناظرة الوطنية للجهوية المنعقدة بأكادير في 20 دجنبر 2019 " أن اللامركزية الترابية تشكل أهمية بالغة في إدارة الدولة ببلادنا منذ الاستقلال، باعتبارها خيارا استراتيجيا في بناء صرحها الإداري والسياسي، وفي ترسيخ مسيرتها الديمقراطية. ومن ثم حظيت على مر المحطات التاريخية التي عرفتها بلادنا بمكانة هامة في مسلسل الإصلاحات الدستورية والسياسية والإدارية التي تم اعتمادها، حيث مكنت من إدخال تغييرات جذرية على المنظومة القانونية المتعلقة بهذا الورش، وساعدت على الترسيخ التدريجي للدور الأساسي للجماعات الترابية في مجال التنمية، في مختلف أبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
وقد جاء دستور 2011، كتتويج لمسار من التراكمات السياسية، والإنجازات الاقتصادية والاجتماعية، التي أسست للمجتمع الديمقراطي الحداثي، في ظل دولة الحق والقانون. وقد كرس هذا الدستور دور الجماعات الترابية، وعلى رأسها الجهة، في هياكل المؤسسات المنتخبة للدولة، كما أقر بأن التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة. فضلا عن دسترة مجموعة من المبادئ الأساسية في التدبير اللامركزي، كما هو متعارف عليه في التجارب الدولية الرائدة في هذا المجال.
وهكذا فإن دستور 2011 أولى للتنظيم الإداري اللامركزي اهتماما غير مسبوق من جانب المشرع الدستوري في ظل دستور 2011 الذي حمل عدد من المقتضيات سمحت بإعطاء نفس جديد للامركزية الإدارية، كما مكنت من جعل هذه الأخيرة في قلب القانون الدستوري على نحو يبدو جليا في القضايا التالية:
الحيز الذي خصص للتنظيم الإداري عموما وللتنظيم اللامركزي خصوصا حيث أفرد للجهات و الجماعات الترابية الأخرى بابا خاصا "الباب التاسع" الذي يتكون من 12 فصلا من الفصل 135 الى الفصل 145، علاوة على فصول أخرى لا تندرج في هذا الباب تناولت هي الأخرى جوانب تتعلق باللامركزية الترابية مثل التركيز على الطابع اللامركزي للتنظيم الترابي للمملكة (الفصل الأول) و تمثيل الجماعات الترابية في إطار مجلس المستشارين (الفصل 63)، و إدراج نظام الجماعات الترابية و مبادئ تحديد دوائرها الترابية و نظامها الانتخابي و مبادئ تقطيع دوائرها الانتخابية (الفصل 71)، و إيداع المشاريع المتعلقة بالجماعات الترابية و بالتنمية الجهوية بالأسبقية لدى مجلس المستشارين (الفصل 78)، و تصويت مجلس النواب النهائي بالأغلبية المطلقة لأعضائه الحاضرين على مشاريع القوانين المتعلقة بالجماعات الترابية و بالتنمية الجهوية (الفصل 84) و مصادقة مجلس النواب النهائية على مشاريع القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية بأغلبية أعضائه (الفصل 85)، فضلا عن تخويل المجالس الجهوية للحسابات مهمة مراقبة حساب الجهات و الجماعات الترابية الأخرى و هيأتها و كيفية قيامها بتدبير شؤونها (الفصل 149).
التأكيد على أن التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لامركزي يقوم على الجهوية المتقدمة و يرتكز على عدد من المبادئ تتعلق بالتدبير الحر و التعاون و التضامن، و تأمين مشاركة المعنيين في تدبير شونهم و الرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة و المستدامة (الفصل 1) بكل لما لهذه المبادئ من دلالات فقهية و دستورية تتعلق بإعطاء الجماعات الترابية مزيدا من الحصانة و الاستقلالية، التي تسمح لها بالقيام بأدوارها في مجال التنمية المجالية و تعزيز اللامركزية الترابية و تكريس الديمقراطية التشاركية على المستوى الترابي.
الانتقال من الحديث عن الجماعات المحلية الى الحديث عن الجماعات الترابية بكل ما يؤشر على ذلك من تغيير في مصدر مشروعية الشأن المحلي و علاقة هذا الأخير بسلطة الدولة، فإذا كان المحلي يحيل مباشرة على وجود المركزي، الذي يعطيه سبب وجوده و يضبط إطار اختصاصاته و حدود تدخلاته، و يشكل بالتالي نوعا من العلاقة العمودية التي تنطوي بالضرورة على شكل من التبعية و تؤسس لوصاية الطرف الأقوى على الطرف الأضعف " فإن "الترابي"" قد يقلب هذه العلاقة على اعتبار أنه يعترف للشأن المحلي بوجود أصيل نابع من رغبة العيش المشترك المعبر عنها محليا، فتصبح بذلك مشروعية الوجود و التدخل متأصلة في المجال الترابي و ليس مجرد ممارسة اختصاصات تخلت عنها الدولة
الرقي بالإطار القانوني المنظم للجماعات الترابية الى مستوى قانون تنظيمي، يحظى بقيمة قانونية واعتبارية في هرمية و تراتبية القوانين الوطنية، و يعد امتدادا ماديا للدستور نفسه بالنظر الى خصوصية المسار التشريعي المتبع في تقديمه و اعتماده.
بلورة تصور جديد لعلاقة ممثلي السلطة المركزية في العمالات و الأقاليم بالمجالس المنتخبة ، أضحى قائما على أساس ممارسة المراقبة الإدارية (الفصل 145) لا على أساس الوصاية، على نحو ما يظهر من خلال تأكيد الدستور على ارتكاز التنظيم الجهوي و الترابي على مبادئ التدبير الحر(الفصل 136)، و على أن الجماعات الترابية أشخاصا اعتبارية خاضعة للقانون العام، تسير شؤونها بكيفية ديمقراطية (الفصل 135)، و من خلال اعتراف الدستور صراحة للجماعات الترابية داخل دائرتها الترابية بسلطة تنظيمية لممارسة صلاحياتها ( الفصل 168) و كذلك من خلال تأكيده على تولي رؤساء مجالس الجهات و رؤساء مجالس الجماعات الترابية الأخرى، بتنفيذ مداولات هذه المجالس و مقرراتها (الفصل 138) بعدما كان هذا الأمر من قبل من اختصاص العمال فيما يخص مجالس الجهات و مجالس العمالات و الأقاليم.
التأكيد على الطابع الديمقراطي في تسيير الجماعات الترابية لشؤونها، و إدخال تعديلات على طريقة انتخاب مجالسها تروم بالأساس الى انتخاب مجالس الجهات و مجالس الجماعات بالاقتراع المباشر (الفصل 135) خصوصا عندما يتم ربط هذه الطريقة في الانتخاب بتأكيد الدستور أيضا على أن الانتخابات الحرة و النزيهة و الشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي (الفصل 11)
التأكيد على مساهمة الجهات و الجماعات الترابية الأخرى في تفعيل السياسة العامة للدولة، وفي إعداد السياسة الترابية، من خلال ممثليها في مجلس المستشارين و مراجعة حجم و كيفية تمثيلها في هذا المجلس.
خلق إمكانيات جديدة للتواصل بين المواطنين و الجماعات الترابية و توسيع دائرة إشراكهم في عملها تتبعا و مراقبة و اقتراحا، يتجاوز حدود المشاركة في انتخاب أعضائها من خلال اعتماد نوعين من الأليات: أليات للحوار و التشاور يتمثل هدفها الرئيسي في تيسير مساهمة المواطنين و المواطنات و الجمعيات في إعداد برامج التنمية و تتبعه (الفصل 139) و تقديم عرائض الهدف منها مطالبة المجلس بإدراج نقطة تدخل في اختصاصه ضمن جدول أعماله.
إعادة تدقيق اختصاصات الأنواع الثلاثة للجماعات الترابية، عبر تحديد و تمييز مجالات اختصاص كل واحدة منها، و النص الدستوري على عدم جواز ممارسة أي جماعة ترابية للوصاية على جماعة ترابية أخرى، مع التأكيد في نفس الوقت على إعطاء دور أكبر للجهة يسمح لها بأن تتبوأ مكانة الصدراة بالنسبة للجماعات الترابية الأخرى، في عملية إعداد برامج التنمية الجهوية و التصاميم الجهوية لإعداد التراب في نطاق احترام الاختصاصات الذاتية لهذه الجماعات الترابية (الفصل 143)
التأكيد على أهمية دعم الدولة للجماعات الترابية سواء من خلال رصد موارد مالية لها أو من خلال اقتران كل اختصاص تنقله الدولة إليها بتحويل الموارد المالية المطابقة ( الفصل 141) و كذلك من خلال إحداث صندوق التأهيل الاجتماعي فضلا عن صندوق التضامن بين الجهات لفائدة الجهات ( الفصل 142)
إعطاء دور أكبر للقضاء في الرقابة على سير أعمال المجالس الترابية على حساب السلطات الإدارية.
- تعزيز تمثيلية النساء في مجالس و هيأت الجماعات الترابية حيث ينص الدستور على تمتيع الرجل و المرأة على قدم المساواة بالحقوق و الحريات، و على سعي الدولة على تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال و النساء ،و على أن تحدث لهذه الغاية هيأة للمناصفة و مكافحة كل أشكال التمييز (الفصل 19) و يحيل على القانون أمر سن مقتضيات من شأنها تشجيع تكافؤ الفرص بين الرجال و النساء في الولوج الى الوظائف الانتخابية (الفصل 30) كم أدرج سن أحكام تتعلق بتحسين تمثيلة النساء داخل المجالس الترابية ضمن القضايا التي يجعلها تحدد بقانون تنظيمي (الفصل 146),
محاصرة ظاهرة الترحال السياسي بين الأحزاب السياسية و جعل حرية المنتخب في تغيير انتمائه السياسي مقيدة بحقوق الناخبين و حقوق الهيأت السياسية التي رشحته لمهام انتدابية، من خلال نص الدستور على التجريد من الصفة البرلمانية لكل من تخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه خلال الانتخابات.
ا