الإصلاح القضائي وعلاقته بمجال الأعمال والاستثمار
الإصلاح القضائي وعلاقته بمجال الأعمال والاستثمار
رئيس المحكمة الإدارية بالدار البيضاء
يعد القضاء من المقومات الأساسية لأي
دولة ديمقراطية، ذلك أن ضمان سيادة القانون رهين بوجود مؤسسة قوية وفعالة قادرة
على التطبيق السليم والعادل للنصوص
القانونية في إطار الشفافية والمساواة.
وقد ترسخت القناعة في شتى دول المعمور
على ربط التنمية الاقتصادية بإصلاح
القضاء، وحظي هذا الموضوع باهتمام بالغ وتركيز كبير خاصة في الآونة الأخيرة لدرجة
أن الجميع يتفق على أن إصلاح القضاء هو قاطرة الإصلاح الشامل في جميع المجالات
السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
كما أضحى البعد الحقوقي الدولي حاضرا
بقوة على اعتبار أن تحقيق العدل، وكفالة الحقوق والحريات هو رؤية عالمية تتشارك
فيها كل الدول الديمقراطية وكل من يؤمن بقيم العدل والخير، فإصلاح القضاء ليس
مطلبا وطنيا فحسب بل مطلبا دوليا من منطلق أن العالم تتقاطع فيه المصالح بحكم تشعب
العلاقات التجارية.
إن عنصر الثقة في وجود أي نظام قضائي يعد عامل جدب اقتصادي محفز على
الاستثمار الشيء الذي يفرض على المغرب الانخراط الجدي في مخطط إصلاح منظومة
العدالة، والوقوف على جوانب القوة والضعف حتى يساهم القضاء المغربي بفعالية اكبر
في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وأن مناقشتها في جو الشفافية
يسمح بالمكاشفة والنقد الذاتي البناء مع إتاحة الفرصة لكافة الفاعلين والحقوقيين
المرتبطين بالحقل القضائي ليدلوا بدلوهم لأن لكل واحد رؤيته وأولويته.
وقبل الخوض في مدى مساهمة القضاء المغربي
في التنمية (المبحث الأول) .
المبحث الأول:
طبيعة العلاقة بين الإصلاح القضائي والتنمية الاقتصادية
أولا :
الوعي بالارتباط القائم بين القضاء والتنمية
إن
متطلبات التنمية الاقتصادية ترتبط بتوفير الأمن والاستقرار وبقضاء مستقل يحمي حقوق
المستثمرين بمناسبة معاملاتهم الاقتصادية سواء فيما بينهم أو في تعاملهم مع الدولة
مما يشجع الطمأنينة في نفوسهم ويشجعهم على القيام بمزيد من الأنشطة الاستثمارية إذ
من المعلوم أن رأسمال جبان كما يقال. فهو إذا ما أحس بالخوف على مصالحه يهرب إلى
حيث يجد الأمان لذا كان للتركيز علة أهمية دور القضاء في تحقيق التنمية ما يبرره،
فهو الملاذ الأخير للمظلومين، فإذا لم يكن منصفا وعادلا عم الفساد واستشرى في جميع
المجالات الشيء الذي يزيد العبء على المستثمرين بسبب غياب الشفافية وحرية المنافسة
والمساواة والتي تشكل الشروط الجوهرية لجذب الاستثمار مما ينعكس في النهاية على
سوق الشغل فتكثر البطالة { ويسود الفقر شرائح المجتمع وتتأثر في النهاية موارد
الدولة وتقل المشاريع التنموية وبذل تحقيق التنمية يغرق المجتمع في ظلام التخلف.
وعليه فإن
القضاء يساهم في تأطير الأنشطة الاقتصادية من خلال ضبط قواعد التعامل حتى تسودها
الشفافية، ومن تم كان تحقيق التنمية رهبن بمدى نجاعة المنظومة القضائية وكذا
فعاليتها ونزاهتها واستقلاليتها، وقدرتها
على ضمان تكافئ الفرص والمساواة، وكفالة الحقوق والحريات.
ووعيا فأهمية دور القضاء واستشعارا لانعكاس
النجاعة القضائية على التنمية الاقتصادية واستقرار المجتمع فقد انخرط المغرب في
مسلسل إصلاح القضاء وهو ما عبرت عنه الإرادة الملكية السامية وتوج بالتعديلات
الدستورية الأخيرة.
لقد كانت
الإرادة الملكية واضحة منذ أول خطاب للعرش
سنة 199 حيث دعا جلالة الملك محمد السادس
إلى ترسيخ دعائم دولة القانون و جعل إصلاح منظومة العدالة من بين أولويات
ورش الإصلاح إلى الشمولي للبلاد وقد تلته
مجموعة من الخطب السامية التي كانت دائما تشير إلى ضرورة تعزيز مسيرة إصلاح القضاء
، توجت بالخطاب الملكي بمناسبة ثورة الملك والشعب بتاريخ 10/08/2009 والذي خصص
لموضوع إصلاح القضاء كما أعلن جلالة الملك بمناسبة افتتاحه الأولى من السنة
التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية الثامنة عن التأسيس لمفهوم جديد لإصلاح
العدالة ، يتمثل في جعل القضاء في خدمة
المواطن والذي من بين أهدافه الأساسية أن يكون القضاء محفزا للتنمية في إطار عدالة قريبة من المتقاضين،
وبسيطة وسريعة في مساطرها مع كفاءة ونزاهة وتجرد قضاتها لإصدار أحكام تقر سيادة
القانون وتكفل الحقوق وترفع المظالم.
ولاشك أن التعديل الدستوري الأخير يعد
مدخلا أساسيا لإصلاح النظام القضائي في شكله الشمولي او العام بإقرار القضاء كسلطة
مستقلة تتساوى في المرتبة مع السلطتين
التشريعية والتنفيذية، وه إقرار له رمزية كبيرة وسيكون له الأثر البالغ إذ
ما تم تفعيل النصوص الدستورية المؤكدة على استقلال القاضي بشكل يضمن تنزيل المبادئ
الدستورية وتطبيقها على أرض الواقع القضائي ويحس المتقاضي بأثرها المباشر على اعتبار ان الغاية من الاستقلالية هو حفظ حق
المواطن داخل مجتمع ديمقراطي للتمتع بسلطة قضائية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية
دون إن تعني تتميع القاضي في حد ذاته بأي امتياز
ثانيا: الإكراهات القانونية والواقعية وأفاق
الإصلاح
إن النجاح في تحقيق غايات برامج الإصلاح
تقتضي الانطلاق من تشخيص دقيق وحقيقي لمظاهر الخلل في المنظومة القضائية .
كما ينبغي بداية تحديد مفهوم إصلاح القضاء
لأنه يحتاج في نظري إلى تدقيقي لان المقصود منه في الحقيقة هو إصلاح نظام العدالة باعتباره مفهوما أكثر
شمولية يضم سائر الجوانب بالمنظومة القانونية والقضائية المساهمة في تحقيق العدالة
.
إن أي إصلاح مهما كانت قيمته وأهمته لن تكون
له قيمة إذا لم يحس المواطن بالأثر المباشر لذلك الإصلاح على حياته، فثقة المواطن
في القضاء هي التي تعكس مدى نجاعة أي إصلاح وهي ثقة لاشك إن نيلها ليس بالأمر
الهين مهما بلغت كفاءة القاضي ونزاهته وحياده واستقلاله لوجود عدة متدخلين في
العملية القضائية فكل خلل من اي جهة كانت يؤثر في النهاية على سمعة القاضي لأنه
الوجه البارز الذي تسلط عليه الأضواء.
إن في تحميل المسؤولية للقاضي وحده واتهامه
بالفساد قول فيه من التجني والحيف ماي
يسيء ليس فقط لسمعة القاضي وإنما لسمعة القضاء الوطني والمجتمع برمته، على اعتبار
أن دور القاضي هو الفصل في الخصومات منة خلال التطبيق السليم للقانون، ومعلوم أن
الحقيقة القضائية قد لا تتطابق من خلال الحقيقة الواقعية، والحكم القانوني قد لا
يكون حتما عادلا ومنصفا إما بسبب القانون نفسه أو بسبب التقصير في بسط الوسائل
والدفوع إذ أن صناعة القضاء تساهم فيه عدة أطراف وأن التقصير من طرف ما، قد ينعكس
سلبا على جودة الحكم القضائي و نجاعته فالقاضي ما هو إلا حلقة من ضمن مجموعة من
الحلقات المترابطة مهمته الأساسية صناعة المحاكمة العادلة في ظل القوانين الواجبة
التطبيق، لذا لا ينبغي تحميل القاضي وحده ما يؤاخذ على العدالة المغربية من بطء في
إصدار الأحكام، والقضاء على العدالة البطيئة.
ولاشك أن فعالية دور القضاء في تحقيق
التنمية الاقتصادية وحماية الاستثمار يرتبط بإجهاد القاضي في ظل النصوص القانونية
القائمة، وهو اجتهاد يبرز المساهمة الايجابية للقضاء وفق ما سنتعرض له في المبحث
الموالي.
المبحث الثاني: مظاهر الحماية القضائية
للاستثمار
تتعدد مجالات تدخل القضاء في موضوع التنمية
بتنوع الجهات القضائية وتخصصاتها، ولئن كان دور المحاكم الابتدائية لا يقل أهمية
في حماية الاستثمار وتحقيق التنمية خاصة فيما يتعلق بتطبيق مدونة الشغل، وكذا
القانون العقاري، فإنه واعتبارا للارتباط المباشر لكل من القضاء التجاري والقضاء
الإداري بتشجيع الاستثمار وحمايته فقد ارتأينا
استعراض بعض مظاهر الحماية للقضاء التجاري مع التركيز على دور القضاء
الإداري من منطلق تجربتنا كقاضي إداري .
أولا: دور القضاء التجاري في حماية
الاستثمار
لقد واكب القضاء التجاري التحولات الهامة
التي عرفها مجال قانون الأعمال وما يشهد من قفزة نوعية في مجال ملائمة القوانين
المنظمة للتجارة مع أحدث التشريعات الدولية في هذا المجال وكذا الاتفاقيات الدولية
حتى تواكب التطور التجاري والاقتصادي الوطني بفضل العمل القضائي وما يعزز التطبيق
العملي للقانون، وما يظهر من ثغرات فيتم إصلاح القوانين، ويمكن أن نذكر بهذا الصدد مدونة التجارة التي استفادت من احدث
الاجتهادات القضائية، ومنحت القضاء سلطة هامة في مساطر صعوبة المقاولة التي تهدف
الى ضمان استمرارية نشاط المقاولة علاوة على دور هذا القضاء في كفالة شروط الحرية
والمنافسة في ظروف سليمة من خلال حماية الملكية الصناعية والتعويض المادي عن الأضرار اللاحقة بحقوق المالكين
وتطبيق مساطر مستعجلة لتسهيل وتسريع عملية اقتضاء الحقوق.
ويمكن القول بأن المحاكم المتخصصة في القضاء
التجاري تعتبر آلية مؤسساتية ناجعة ساهمت في الرفع من مستوى وجودة تطبيق القوانين
الجديدة المتعلقة بالمال والأعمال، وفتحت المجال أمام تدفق الاستثمارات باعتماد
حلول قانونية جديدة تستجيب لتطلعات
الفاعلين الاقتصاديين.
ثانيا : مساهمة
القضاء الإداري في حماية الاستثمار
ساهم القضاء الإداري في ضمان سيادة القانون
من خلال مراقبة شرعية أعمال الإدارة والتصدي لاي شطط أو تجاوز في استعمال السلطة
من طرفها. ولقد عرف هذا القضاء قفزة نوعية بعد إحداث المحاكم الإدارية بشكل مواز
مع إحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بفضل ما عرفته ه=ه المحاكم في بداية نشىتها
من اهتمام كبير من طرف جميع الجهات المعنية ما انعكس إيجابا على مستوى الإحكام
التي أصدرتها وأصبحت هذه الأخيرة علامة ووجها مشرق للقضاء المغربي باعتراف كل الفاعلين والمهتمين بالقضاء الإداري وقد واكب هذا التطور
تزايد وعي المواطنين بحقوقهم ارتفاع عدد القضايا المعروضة على القضاء الإداري بفضل
الاقتناع الذي أصبح ترسخ لدى المواطنين بإمكانية اقتضاء حقوقهم من الدولة
والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية خلافا لما كان عليه الامر في السابق.
وسنحاول إبراز بعض مظاهر الحماية التي يوفرها
القضاء الإداري للمستثمرين من خلال المنازعات التي تعرض عليه بخصوص العقود الإدارية
والمنازعات الضريبية.
أ: دور قاضي العقد في تخليق الإدارة وحماية
الاستثمار
يساهم القاضي الإداري في تخليق الإدارة
وتكريس مبادئ المساواة والشفافية والمنافسة بمناسبة النظر في المنازعات المرتبطة بتنفيذ العقود
الإدارية وخاصة عقود الصفقات العمومية والإشغال العامة.
والملاحظ أن النزاعات التي تعرض بهذا
الخصوص على القضاء الإداري غالبا ما ترفع من طرف المستثمرين المغاربة لكون العقود
التي تكون احد إطرافها أجنبيا غالبا ما تتضمن إحالة النزاع على جهات تحكمية غير إنهم
قد يتصلون بالنزاع بشكل غير مباشر عندما تتضرر مصالحهم في حالة ارتباطهم في علاقات
تعاقدية مع شركات مغربية ابرمن مع الإدارة عقد إداريا ونشا عنه نزاع قضائي.
وبالاطلاع على الأحكام الصادرة عن
المحاكم الإدارية يظهر أن هناك حماية
حقيقية للمستثمرين سواء كانوا أجانب أو مغاربة، ومن بين الإحكام التي يمكن
الاستدلال بها المنازعة المتعلقة بمكافآت الاستثمار التي لم تف بها الإدارة (
الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بالرباط تحت عدد 718 بتاريخ 4/7/2000 قضى لفائدة
الشركة المدعية بملغ 50.425418.41 درهم)
كما قضت المحكمة الإدارية بوجدة في حكمها عدد 66 بتاريخ 10/9/2005 بمبلغ
7458716.00 درهم لفائدة الشركة المدعية كتعويض عن الأضرار اللاحقة بها من جراء
عرقلة مشروعها الاستثماري وقد بنى هذا الحكم على قاعدة مفادها: إن عدم إتمام الإدارة
المدعى عليها لمقايضة الأرض التابعة للملك الغابوي مع المدعية، رغم موافقتها
المبدئية ذلك، وتفويتها لشركة أخرى بثمن أقل من الثمن المتفق عليه مع المدعية
وبدون أي مبرر يشكل عرقلة للاستثمار ويتنافى مع السياسة العامة للدولة الرامية إلى
تشجيع الاستثمار وكسب ثقة المستثمرين بالإدارة وهو ما يبر تعويض المدعية
المذكورة المصاريف التي تكبدتها من أجل
إعداد مشروعها الاستثماري والأضرار الناتجة لها من جراء عدم إتمامه.
وفي مجال الصفقات العمومية وتفعيلا لمبدأ المساواة والمنافسة قضت المحكمة الإدارية
بالدار البيضاء بإلغاء قرار الإدارة بإقصاء شركة من طلب العروض المفتوحة لعدم
تقديمها لما يثبت المؤهلات التقنية للمتنافس الذي تم اختياره من طرفها رغم إشعارها
بذلك من طرف المحكمة مؤكدة أن الغاية من وضع إطار قانوني لإبرام الصفقات العمومية
هو دعوة الإدارة إلى تبرير قراراتها حتى تتحقق الرقابة القضائية على كيفية تدبير المال العام ومنح
ضمانة للمتعامل مع الإدارة تجعله يطمئن إلى أن الإجراءات المتخذة قصد اختيار أحد
المتنافسين قد تمت في إطار قانوني وواقعي وشفاف ° أنظر الحكم الصادر في الملف عدد
11/2009/4 بتاريخ 2010/12/20، كما سبق للمحكمة الإدارية بالرباط أن ألغت قرار
الإعلان عن نائلة الصفقة بعد أن تبث لما من خلال خبرة قضائية أن معطيات الملف
التقني للشركة الطاعنة كانت قد قدمت عرضا أقل من الشركة نائلة الصفقة ( أنظر الحكم
عدد 187 بتاريخ 7/2/2002 بين شركة سوريا أمليل والمركز الاستشفائي ابن سينا).
وفي إطار دور قاضي العقد في مراقبة مدى وفاء طرفي العقد بالتزاماتهما
اعتبرت المحكمة الإدارية بالدارالبيضاء أنه مادامت الشركة المدعية قد أوفت
التزاماتها التعاقدية، وأثبت قيامها بتسليم الأشغال المتعاقد بشأنها فإنه يبقى من
حقها استرجاع مبلغ الضمانة النهائية ومبلغ اقتطاع الضامن بخصوص الصفقة موضوع
الأشغال المنجزة ( أنظر حكم المحكمة الإدارية عدد 1128 الصادر في الملف عدد
2/2010/13 بتاريخ 26/4/2011) .